الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
256
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في العظمة والمتناهية التنظيم والدقة في قوانينها ، كيف لا يكون قادرا على إحياء الموتى ؟ ولكون الجواب على هذا السؤال واضحا ، وكامنا في كل قلب وروح ، فإن الآية لا تنتظر الجواب ، إنما تردف مضيفة " بلى " وتتابع مؤكدة على صفتين لله سبحانه وتعالى - الخالقية والعلم المطلق - وذلك في حقيقته دليل على الكلام المتقدم ، فإذا كنتم تشكون في قدرته على الخلق فهو " الخلاق " ( وهي صيغة مبالغة ) . وإذا كان جمع هذه الذرات يحتاج إلى علم أو معرفة فهو " العليم " المطلق . أما على ماذا يعود الضمير في " مثلهم " فقد احتمل المفسرون احتمالات عديدة ، ولكن أشهرها هو القول بعودة الضمير على " البشر " والمعنى : إن خالق السماء والأرض قادر على خلق مثل البشر . وهنا يأتي السؤال التالي وهو لماذا لم يقل : قادر على أن يخلقهم من جديد ، بل قال : قادر على أن يخلق مثلهم ؟ وللإجابة على هذا السؤال ذكرت أجوبة كثيرة ، يبدو أقربها : أن بدن الإنسان عندما يتحول - أو بالأحرى يتحلل - إلى تراب ، فإنه يفقد الصورة النهائية التي كان عليها ، وفي يوم القيامة عندما يعاد خلق هذا الإنسان من جديد ، فإنه سيخلق من نفس المواد ولكن بصورة جديدة تشبه الصورة القديمة ، بلحاظ أن عودة نفس الصورة القديمة - بالأخص إذا أخذنا في الاعتبار قيد الزمن - غير ممكن ، وخصوصا إذا علمنا - مثلا - أن الإنسان لا يحشر بجميع المواصفات والكيفية التي كان عليها سابقا ، فإن الشيبة والشيوخ - مثلا - يحشرون شبانا ، والمعلولين يحشرون سالمين ، وهكذا . وبتعبير آخر ، فإن بدن الإنسان كالطابوق الطيني غير المفخور - اللبن - الذي يمر عليه الزمان فيتهدم ويصبح ترابا ، ثم يجمع من جديد وتصنع منه خميرة الطين ويوضع في قالب مرة أخرى ويصنع لبنا جديدا مرة أخرى . فهذا " اللبن " هو من